kırıkkale, Türkiye
05319145964
nuraniyat@yahoo.com

المثالية بين المذاهب الميتافيزيقية

المثالية بين المذاهب الميتافيزيقية

المثالية بين المذاهب الميتافيزيقية

 

المثالية مذهب فلسفي يشمل جانباً كبيراً من المذاهب الميتافيزيقية (ما بعد الطبيعة أو الغيبية) وهي اتجاه فلسفي يبحث عن مسألة الوجود (أوْ الأنطولوجيا) في حين أن العقلانية اتجاه مذهبي يبحث في أصل المعرفة ويرد هذا الأصل إلى العقل فقط وينكر دور الحواس أو المعرفة القلبية أو المعرفة عن طريق الوحي، وعكس العقلانية التجريبية وهذه الأخيرة تعتمد على التجربة الحسية فقط من دون العقل المجرد.

وعكس المثالية “المادية”. والمثالية تعطي الأولوية في الوجود للروح على أن يكون وجود المادة ثانوياً في حين أن المادية تعطي الأولوية في الوجود للمادة، على أن تكون الروح انعكاساً للمادة وظلاً لها.

وتقترب المثالية كثيراً من الفلسفة لأنها تبلور مباحث الفلسفة الثلاثة الرئيسية: الحق والخير والجمال.

 

أما الفلاسفة فيستعملون لفظ المثالية استعمالاً يختلف عن استعماله الشائع اختلافاً بعيداً، وقوام المثالية عندهم اتجاهان أو مذهبان :

  • المذهب الأول قديم، وهو المذهب الأفلاطوني الذي انبعث من أبى الفلسفة القديمة سقراط، وثبتت دعائمه على يدي تلميذه أفلاطون، وظلت ذكراه ماثلة في الأذهان على درجات متفاوتة إبان العصر الوسيط. ويرى هذا المذهب أن الأفكار و”المعقولات” أو “المثل” موجودة وجوداً هو أسمى من الوجود المحسوس، لأنها هي المبادئ النموذجية الأصيلة للأشياء .
  • المذهب الثاني في المثالية هو مذهب حديث، وهو المذهب الكانتي، الذي مهد له أبو الفلسفة الحديثة ديكارت في مبدئه المشهور باسم “الكوجيتو” ( أنا أفكر إذن أنا موجود )، وأبرزه بركلي في تقريره أن ” الوجود هو كون الشئ مدركاً “، ثم شيدّه “كانت” بناء شامخاً على أساس من نقد العقل في جوانبه الثلاثة : النظر والعمل والذوق. ويرى هذا المذهب أن الأشياء أو الموضوعات ليست سوى انطباعات حسية أو أفكار لا يمكن أن تتحقق في الوجود إلا على نحو ما، أي باعتبارها “تمثلات” ذهنية. والأشياء ليست موجودة بذاتها وجوداً مستقلاً عن القوة “الناطقة”، أي القوة المتعقلة التي تدركها، بل إن وجودها مستفاد من هذه القوة ذاتها .

     

    الأفلاطونية والأفلاطونية الحديثة :

    المثالية الأفلاطونية مثالية “مطلقة” تتجه الى ما هو بذاته، لأنها ترى في الفكرة أو المثال موجوداً متميزاً متعالياً، هو عنصر المعرفة المطلقة التي هي الموجود المطلق ذاته، ذلك الموجود الذي لا يتغير، والذي بفضله تجئ الأشياء كلها الى الوجود. أما المثالية الكانتية فهي مثالية “نسبية”، تنظر الى العالم كما هو عندنا : فهي مثالية تقدّ العالم على قد الانسان إن صح هذا القول. وهذا هو المعنى الذي قصد إليه كانت حين أعلن ما سماه باسم ” الثورة الكوبرنيقية “.

    والمثالية الأفلاطونية أبعد محاولة لإثبات الله. والمعرفة فيها ذات طابع سماوي، لأنها هي معرفة مصدر الأشياء ومدبرها. والمثالية الكانطية فتركز عنايتها في المعرفة الانسانية، والمثال فيها مندمج في الأشياء الخارجية غير متعالٍ عليها .

    وتتميز المثالية القديمة بأن الأفكار فيها “مفارقة” لعالم الحس والمادة، في حين أن الأفكار في المثالية الحديثة إنما هي أفكارنا نحن عن العالم. وإذا صح لنا أن نستعير هنا تفرقة صوفية بين عالم اللاهوت وعالم الناسوت، استطعنا أن نقول إن المثالية الأفلاطونية مثالية “لاهوتية”، في حين أن المثالية الكانتية مثالية “ناسوتية” .

    هذه بعض وجوه الاختلاف بين المثاليتين. لكننا نستطيع مع ذلك أن نلاحظ أننا في كلا الضربين من المثالية نجد الفكر مستقلاً عن الموضوعات والأشياء : ذلك لأن المثالية الحديثة ترى أن ما فينا من قوة على تعقل الأشياء يجعل وجود الأشياء أمراً ثانوياً .

    وتتفق المثاليتان كذلك في أنهما مذهبان في المعرفة : لأنهما يريان أنه لا شئ في الموجودات إلا ويمكن أن يكون متعقلاً. وكلتاهما لا تريد أن تكون مذهباً وجودياً، يقنع بملاحظة ما هو كائن وحاصل، ويقتصر على وصف الأشياء كما تبدو للناظر، بل كلتاهما مذهب انشائي يرسم الأشياء بحسب ما حقه أن يكون، ويريد أن يصل إلى جوهر الأشياء وأصلها .

    ومن وجهة النظر هذه لا تستطيع المثالية أن تقبل أن يكون “للأشياء” وجود في ذاتها، مستقل عن الفكر، لأن ما هو خارج الفكر لا يمكن أن يكون متعقلاً، وبالتالي لا يكون شيئاً. والذات العارفة إنما تفكر، أي تعقل الأشياء بالفكر؛ وأداة الفكر في التعقل هي الأفكار : وإذن فلا شئ هنالك سوى الأفكار. والأمر كما رآه الفارابي وديكارت وكانت حين أكدوا جميعاً أن الفكر هو الواقعة الأولى، وهو أولى “المعطيات” : فإن كل تفسير وكل قضية إنما تفترض وجود الفكر. وهذا شئ أصبح مسلماً به عند الخاصة والعامة على السواء .

    ألسنا نسمع الناس يصفون من يقول كلاماً ليس وراءه معنى محصل بأنه كلام “فارغ” ؟ وإن فالناس جميعاً يسلمون بأنه لابد من فكر وراء كل قول. وهذا ما يذهب إليه الفيلسوف على العموم، والفيلسوف المثالي على الخصوص. وكل ما في الأمر أن الفيلسوف لا يقف عند هذا الأمر موقفاً سلبياً، وإنما يعقد النية على أن يفسر كل شئ بالفكر .

     

    وإذن فقد جاهد أفلاطون وكانت للوصول إلى المبادئ العقلية لكل معرفة. وقد دأب أفلاطون على النصح لنا بأن نلجأ إلى كنف الأفكار والمثل لكي نجد فيها حقيقة الأشياء. و”الثورة الكوبرنيقية” التي يحدثنا عنها كانط أن نرتب الموضوعات أو الأشياء طبقاً للمعاني والأفكار، وبعبارة أخرى أن يكون ما بالأعيان مطابقاً لما بالأذهان، كما يقول المتكلمون الإسلاميون .

    والمثاليتان الأفلاطونية والكانتية تريان أنه لما كان مبدأ كل معرفة هو عينه مبدأ كل وجود، فإن الفكر والمطلق متحدان. ويترتب على هذا أن الفكرة هنا ليست مجرد هوية منطقية أو سيكولوجية، بل هي إدراك الوجود والوجود نفسه. والفكرة إنما نجدها في أنفسنا. وهذا الطابع “الجواني” للحقيقة قد تميزت به هاتان المثاليتان، كما تميزت به مذاهب الذات، ولئن يكن سقراط قد قال : ” اعرف نفسك بنفسك “، فقد صرح كانط بأن ” عصرنا لم يعد يريد أن يطول به أمد التلذذ بظاهر المعرفة “. وأهاب كانط بالعقل أن ” يأخذ على عاتقه من جديد مهمة هي أصعب المهام جميعاً، ألا وهي معرفة الذات، وأن ينشئ محكمة تضمن له مزاعمه المشروعة، وتستطيع في مقابل ذلك أن تكبح جماح شططه، لا بإصدار أحكامها اعتسافاً بل باسم قوانينه الخالدة الثابتة ” .

    وفي الملاحظات التي أوردناها ما يكفي لبيان ما بين هاتين المثاليتين من وجوه قرابة جعلت الخلط بينهما ميسوراً. ومع ذلك فعند التأمل يتبين لنا أن المثاليتين متباينتين أشد التباين. وشتان ما بين المثالية القديمة والمثالية الحديثة في مسائل كثيرة ذات خطر : في المعرفة، والمطلق، والجوانية، والذات. لكل واحدة من هذه المسائل في المثاليتين طابع مختلف جداً داخل هذا التشابه في اللفظ والنية والقصد. ويكفي تنبيهاً إلى هذا الاختلاف أن نذكر أن المثالية القديمة إنما هي الواقعية الميتافيزيقية المطلقة، أو الواقعية المتطرفة، بينما المثالية الحديثة إنما خرجت من المذهب العقلي “القطعي” الذي ساد في فلسفة القرن السابع عشر، والمذهب العقلي “الصوري” لدى فلاسفة القرن الثامن عشر .

    إن لفلسفة أفلاطون وأرسطو فضلاً كبيراً على الفلسفتين الغربية والاسلامية ولكن في آخر العصر الوسيط ذوى المذهبان وذهبت نضرتهما، وأخذ كل منهما يمهد السبيل لغيره من المذاهب الفتية الجديدة : فمهدت الأفلاطونية لظهور المذهب العقلي ولظهور المثالية الحديثة، ومهدت الأرسطية لظهور المذهب التجريبي ولظهور المذهب المادي. والواقع أننا إذا نظرنا إلى التقاليد الأفلاطونية استطعنا أن نصف انتقال المثالية القديمة الى المثالية النقدية على الوجه التالي :

    الفكرة التي كانت في الأصل هي الفكرة الإلهية نفسها أصبحت هي فكرة الله بالنسبة إلى العالم الذي نعرفه، ثم أصبحت هي الفكرة الانسانية المحضة خلقها الله فينا، وأمست هي الفكرة المفطورة فينا وحسب .

    ونلاحظ في أول هذا التطور أن الوحدة كاملة بين المثال والوجود، ثم ابتعدت الفكرة عن الوجود بمعناه الدقيق : ابتعدت أولاً بغير انفصال، ثم ابتعدت مع قطع الصلة بين أفكار الانسان وعلم الله، وانحصر نظرنا في أفكارنا وحدها، وأخيراً ظهرت الوحدة في الوعي الانساني .

  • المثالية المطلقة، مفهوم فلسفي قال به هيجل Hegel، في المقام الأول، وقال به شلنگ Schelling وجوسيا رُويْس Josiah Royce وغيرهما أيضاً. والمثالية تذهب، بوجه عام، إلى أن الحقيقة المطلقة كامنةٌ في عالم يتعدّى عالم الظواهر. وهي تعني عند هيگل بخاصة، أن العالم المحدود لا يعدو أن يكون انعكاساً للعقل، الذي هو وحده حقيقيٌ بكل ما في الكلمة من معنى، في هذا العالم. ليس هذا فحسب، بل لقد انطلق هيگل من ذلك إلى القول بأن الكائن المحدود (أو الكائن الذي يوجد ثم ينعدم) يفترض وجودَ ذات أزلية مطلقة يشكل الكائن المحدودُ، في نطاقها، عنصراً تابعاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عذرًا لا يمكنك نسخ محتوى هذه الصفحة